arrow-leftarrow-rightaskfmemailfacebookgoodreadsinstagramtwitter
العودة إلى قراءات نقدية في طوق الطهارة

جريدة الرياض السعودية

مدينة العشق الروائية

فاطمة المحسن

ناقدة عراقية

في وصف مدينة الرياض يقول محمد حسن علوان: ”عرفت لماذا جدران هذه المدينة أسمك وأسوارها أعلى، ثمة أشياء من الجموح بحيث لا يمكن أن تبقيها في الداخل إلا أسوار كهذه. ولهذا يتكلم الجميع هنا لغة سرية بطلاقة“. وإن كان الكتمان سمة المدن المغلقة، فإن كاتبيها خلاف عشاقها يبوحون بالسر على نحو لايخطر ببال من هو خارج أسوارها.

ثالث رواية تصدر لمحمد حسن علوان الذي سجل حضوراً متميزاً في روايات العشق الشبابية، لتتبعه الروائيات اللواتي يقاربن عمره، ويتشاركن معه في المواضيع: حكايات الحب الضائعة التي يبحث عنها البطل أو البطلة في متوالية السرد، تمردات الجيل الجديد، تنافذ الداخل والخارج مع فكر التحديث، انشغالهم بفضاء الإتصالات الحديثة وفي مقدمتها الإنترنيت، كتقنية سردية وحياة تتجاوز الواقع وتختصر مساحات الخيال.

عمل علوان الجديد (طوق الطهارة) الصادرة عن دار الساقي، يتوج مسيرته في العملين السابقين: (سقف الكفاية) ثم (صوفيا). وأي قارىء لهذه الرواية يمكن ان يلحظ الخط التصاعدي لمسيرة هذا الفتى، فأفكاره نضجت لتملك جدلية التأويل وتداخل المعاني، كما تطورت زخرفته النثرية وتحولت إلى رياضة تصرف الذهن إلى عوالم من التأملات، ومع إسرافه في إستخدام منفلوطيات الكتابة النسائية، غير ان هذا العيب يمكن أن يحسب عند قارىء آخر أحد أسرار نجاح الرواية. منذ البداية يوحي الكاتب بأنه يكتب مقدمة لروايته محاولا تضييق الهوة بين المؤلف الضمني والسارد، وهذا النهج يصبح أحد استراتيجيات الرواية، فهو يثير الفضول ويوحي بطابع المذكرات الشخصية.

في مقدمته يقول أنه كتب نصه على الإنترنيت ولا يود نشره على الورق، ولكن بطلته التي خط من أجلها سطوره، تخرج تلك الخواطر على هيئة رواية تصدرها ببيروت. وبهذا يدخل إلى نصه من منفذين للعبة التوطئة: الإنترنيت وهو فضاء مفتوح ولكنه شخصي، والنشر الورقي من حيث هو وثيقة لا يمحوها الواقع الإفتراضي. زهده بالنشر الورقي، يعبّر عنه بشراء روايته من الاسواق وحرقها. مجرد فعل إحتجاج على وسيلة قديمة للتواصل، لا لأنها تفترض الرواية واقعا يحاسب عليه الكاتب، بل لأن الكتابة على الإنترنيت فضاء حر وحقل للخيال ليس له حدود جغرافية.

يحاول السارد في الرواية تبرير مفاجئة النشر عند أبيه الذي غاب عنه في عالمه الانترنيتي، فيتضاعف اهتمام الأب الكاتب الفاشل الذي توجس في شبابه من نشر أدبه لأنه يخشى المواجهة مع القارىء. وفي إشارة إلى إحباطه يفصح الراوي عن علاقة كتابة الأب بحياته، فهو قد مر بتجربة سياسية أدت به إلى السجن فترة قصيرة يخرج منها نادما، ولكن تلك التجربة تخلّف جرحا يحاول التعبير عنه عبر نصوص أدبية يكتبها، وولع بأدب السجون. ومن هنا يطل الكاتب على زواية تبقى غريبة على الرواية، فنصه كما أعماله السابقة، يصور نسقا بيئيا لا ينشغل أناسه بهموم العيش أو السياسة، بل تسير أيام الأبطال في عطالتها عن حاجة الكدح أو مشاكل المجتمع، حتى يكاد الحب والغرام والسياحة والأماكن المترفة مهنهم الوحيدة.

وعلى عكس الكثير من كتاب الجيل الأكبر سناً، تبدو سيرة الحب لصيقة بتجربة الكتابة السعودية الشابة، من حيث بنيتها السردية التي تقارب الرسالة الشعرية وتتضمن نبرة رثاء الذات مع وصف مغامرات الحب. ويحقق صوت السارد في الغالب، غبطة التواصل مع قارىء مثله، له نظامه العاطفي وطريقة تفكيره بالوصال وتفصيلات ضياعه بسبب خسارته الحب، وسنجد ثلاث روايات للعلوان يمر فيها البطل بصدمة الفقدان، ويبدأ التنويع على رثاء نفسه.

بيد ان المقولة الروائية الجامعة لهذا الجيل في دلالتها البعيدة، تمثل تورية لقضايا متشعبة، أولها ما يكمن خلف وصف الحب من توترات تشمل الإنقلاب الثقافي والروحي والقيمي، وسنجد نظم إشاراتها وبينها طرق التعبير واسلوب التواصل مع القارىء، ترتبط حسب كل كاتب، بوسائل الاتصال الحديثة السريعة. وهذا يشكل مفارقة في رواية محمد حسن علوان (طوق الطهارة) على وجه التحديد، فالإنترنيت والموبايل تمكّنان البطل المجروح من التراسل على نحو مرن مع حبيبته او حبيباته، وتسهّل عليه طرح وجهات نظر متغيرة للواقع، ولكنها تبقيه على ثبات مع ميراث التقنية اللغوية من حيث هو التعبير الوحيد عن أدبية الكتابة أو قيمتها المعرفية الأولى. ولعل دليل القاريء إلى إسلوب مكنة علوان يجده في اللغة ذاتها، فمهاراته فيها تطورت، وقاموسه أصبح من الثراء ما يستدعي الكثير من الحذر باستخدامه كي لا يصرف النظر عن موضوعه وكي لا يتحول إلى ديباجة زخرفية تستعرض عضلات الكاتب اللغوية. الأسلوب واللغة في كل الأحوال يشكلان موقف الكاتب ووجهة نظره في الحياة والعلاقات بما فيها العلاقات العاطفية، وعلوان في إعلانه عن تمرده الأدبي، يحاول أن يجد لبطله او لسارده في تماهيهما، شخصية تحمل الوجهين، وجه الشاب المندفع الذي تمر النساء في حياته على نحو عابر، ويحاول فهم نفسه عبر علاقاته معهن، ووجه آخر يتمثل بالعاشق الإسطوري، قيس بن الملوح الذي يكرس نفسه لوحدانية الحب. ولن يجد اسلوبا أمثل لخطابه سوى المناجاة التي تفسر العاطفة وتعيد شرحها عبر اللغة.

تبدأ الرواية من حيث إنتهت العلاقة بين البطل والبطلة، ولكن القارىء يبقى يجهل الأسباب إلا في فصلها الأخير، حيث يصل التشويق الروائي الذروة. والحق ان البطل يقدم بيانات أولية تعلن عن تكريس جدارة وتفوق المرأة التي أحزنته على بقية اللواتي يلتقيهن، فهي كاتبة عمود في صحيفة، ومن قريباته وتملك شخصية مؤثرة منذ طفولتها، ولكن الكشف النهائي يشير إلى مميزات روحية وجسدية لا تملكها سواها ممن عاشرهن.تقديم النموذج المثالي ومحوه من بين مهمة النص، ولعله خلق مساحة من التنوع وتعدد الأصوات ما أكسب الرواية عمقا يرشحها لأكثر من رواية غرام. فالدون جوان البطل تعرّض إلى تحرش في طفولته، وبقيت أسئلة عالقة بذهنه عن الجنس والحب والعاطفة وحدود الذكر والأنثى في الشخصية ذاتها، واطلاعه على فرويد ونظريات علم النفس يساعده على إيجاد مبررات للمكاشفة ولفضح التواريخ كي يتطّهر من عذاباتها. ولكن ما يتحاور حوله مع طبيبه النفسي يقدم اشارات إجتماعية وإن كانت متباعدة، وهي بمثابة تمرينات لاستكشاف مساحة الحرية المتاحة في القول.

كل أعمال محمد حسن علوان تقترب من نص النساء الأنثوي، وفي هذه الرواية يحاول أن يخلق لبطله طبيعة روحية مزدوجة تقف بين الأنثى والذكر، وهذا التقرير ليس غريباً في الكتابات العربية التي تأثرت بالخطاب الفامنستي، ولكنه يمزج الإثارة ومتعة التشويق بالغرض الإجتماعي. وهكذا يبرر منلوج السارد مقولة عشق النساء والتعلق بهن: ”كانت غلطة فيزيولوجية، غلطة أقرب إلى الصواب الفطري، غلطة رضيت بها كثيراً، لأن كوني ذكرا، يجعلني أعشق عندما أعشق أنثى“.. يسعى الراوي إلى أن يكون خطاب الحب فعل تغيير، أو هو محض انتساب إلى حضارة المرأة، حسبما يقول البطل، فالتمدين والتحديث وكل التطورات تبقى ناقصة بدون ان تتحول النساء إلى كيان يتوحد مع كيان الرجال، وتلك إحتمالات تقبلها الحكايات الرومانسية، أما الواقع فيقول غير ذلك في خطاب المساواة، ولكن تلك القصص تمهد الطريق اليه.

معظم النساء اللواتي يغرم بهن البطل أمهات ومطلقات، حتى أمه كانت متزوجة وأمّ قبل أن تتزوج بأبيه. أما حبيبته الضائعة فهي مطلقة تضحي بحبه من أجل ولدها. البطل يتخطى عقدة الفتاة العذراء التي يتغنى بها العشاق في العادة، ولعلها شيفرة لعبور تابوات الحب نفسه.

الرواية تحفل بالتشويق والإثارة فهي تقدم سجلات من رومانس الحياة الجديدة في السعودي.