arrow-leftarrow-rightaskfmemailfacebookgoodreadsinstagramtwitter
العودة إلى قراءات نقدية في سقف الكفاية

منتدى الشعر المعاصر

على ضفاف سقف الكفاية

أروى داوود (وهج)

كاتبة سعودية - تكتب في عدد من المطبوعات السعودية، والمنتديات

أي مزاج غريب ألقتني فيه روايتك يا محمد؟؟!!

وكيف تغلغلت بمشرط سكين إلى أعماق خفية أخبئها دائما…!!

دائماً ما أصف نفسي "بالمتمردة" في القراءة.. لذا فأنا "أرغمها" على قراءة ما ينفعها.. ما تحتاج أن تتعلمه..

لكن، قد يصيبني فجأة مزاج مدلل… فينقّب من بين الكتب عمن يحتوي نبضه ويغرقه في عمق صفحاته..

هكذا فقط..!!

لمجرد الغرق… ولمجرد الإبحار في زوارق صغيرة من الكلمات، تفصلني عن الدنيا وتلقيني في لجة الورق، ثم تأخذني إلى مرافئ بعيدة ولا تعود بي إلا محملة بنبض سخي من شعورها الجارف..!!

"ثلوج كليمنجارو-الشيخ والبحر-جين إير"… من تلك الروايات التي طبعت آثارا عميقة في ذوقي وفيما يحب ويكره!!

تعلمت أن لا أحب رواية "الأحداث" بقدر ما أحب رواية "اللحظة"ذات العمق النفسي والمعنوي المتكثف والتفاصيل الصغيرة التي تحوطني من كل جانب وتصنع حولي عالماً خاصاً من الرؤى والتهويمات التي تغرقني فيها..

روايتك كانت من هذا النوع..!!

أخذتني من عالمي لساعات عديدة..

سربتني خلسة إلى أعماق ناصر..

فشهدت أعماقاً إنسانية عن قرب… وأنا التي كثيرا ما تستوقفني الملامح في محاولة لسبر غورها والإبحار في عباب أسرارها..

دعني أخبرك إذن.. لماذا وقعت روحي على صيدها ذاك ولم تتركه إلا بعد أن أجهزت عليه أو كما قلت أنت"أجهزت علي"…

..

لست ناقدة هنا… أبدا..

إنما فقط قارئة خربشت على هوامش صفحاتك بما جال في ذهنها وأرادت أن تنقله لك حرفيا..

*"على قيد الحزن"

هي إحدى عباراتك في مكان ما من هذه الصفحات الطويلة…

وهي السائل الضبابي الذي غمست فيه كل كلماتك قبل أن تسيل على حافة قلم شجي..

ولعل هذه النبرة هي التي جعلت عيناي معلقتان في سماء الرواية حتى انتهت…

دعني أخبرك عن حالتي النفسية هذه الأيام..!!

ذهبت إلى الحج…

وعدت "طفلة صغيرة" بيضاء..

عدت بصحيفة خالية… وبحزن يملأ جوانحي..

عدت وأنا أرى شيطاني يترقبني ليتلقف صفحاتي ويخربش عليها من جديد..

عدت وأنا أدرى الناس بضعفي الإنساني.. وقلبي الواهن…

عدت ولم أتخلص من أحزاني الصغيرة التي عاشت معي حياتي وأصبحت جزءاً من ذاتي..

وفي غمرة هذه اللجة من الصمت والخنوع تأتي روايتك لتغرقني أكثر في هذا البحر… ولتخبرني أن ليس زورقي أنا فقط هو الزورق الوحيد المكسور… لثمة زوارق كثيرة في الحياة مثقوبة… أو منكسة الراية… أو حاملة للخيبات.. أو ضائعة في غمرة الدنيا… أو لا تعرف لها مرفأ ولا شاطئ..!!

روايتك كانت تقبض على "الضعف الإنساني" بمهارة… ذلك الذي يتسرب من ثقب في الذات ثم لا يلبث أن يملأ جميع شقوقها وفجواتها…

قد يكون هذا الثقب"لفحة حب" كما تقول… وقد يكون "كارثة عمر ووطن وأهل" كما حصل لديار..

وما بين هذا وذاك… ثقوب كثيرة… وأحزان متفاوتة نتشارك جميعا في حملها..

أجل..

كنت أحمل هذا الحزن الشفيف وأخفيه في أعماقي… وأقول..

لا أحد يأبه بشذراتي الرمادية تلك…!!

وكنت كثيراً ما أعتقد أنه من ترف الإحساس أن تكون قلوبنا بمثل هذا الضعف…

فيجرحها هجر حبيب.. ويدميها غدر صديق… وتبكيها صفعات الدنيا…

أنظر إلى مصائب العالم الجلل.. من قتل وتشريد وتجويع.. فأزدري ألمي وحدي..وأغص به..

وهاهي روايتك ككوب الماء الذي ساعدني على بلع الحزن في هدوء وساعده على التغلغل داخلي في سكينة..

ليبقى هناك ويشع في "جلال" ويصبغ خدود قلبي بلون شاحب ضبابي..!!

أجل.. هذا الحزن… هو مزاج غريب يتلقفني… يمنعني من السير قدما في منعرجات الحياة..

لكن بين كل نبضة ونبضة منه، انتفاضة عصفور مذبوح يبلله الإيمان ويدفئ جناحيه اليقين..

وهذا هو الإنسان..مخلوق قوي ضعيف…يحتاج أن يتعلم كيف يقبض على زمام أدواته جيدا ولا يسلم شيئا منها للريح لتعبث يه..

كنت أشبه ناصر كثيرا… في غمرة ضعفي… كنت أتوق "لغربة " مكان قد تساعدني على تجاوز غربة الروح… وأحلم برصيف أكتب عليه وجعي… وبكتف فجر لمدينة مجهولة ألقي على بياضه رأسي..

اذن.. روايتك كانت انسانية محضة… أحزانك كانت مصهورة بإخلاص..صادقة بعمق.. لذا فهي تلامس مكانا قصيا في الروح.. لمن كانت روحه مشرعة محلقة..!! ولعل هذا التلامس هو أكثر ما شدني في الرواية وأبحر بي عبرها..

صرت أهذي… وكأنني صاحبة الرواية الأصلية

لا بأس.. ألم أقرأ لك 400 صفحة!!

لتكمل اذن سطوري القليلة الباقية عن طيب قراءة

*" شاعرية سيالة.. وفلسفة عميقة"

إنها المرة الأولى التي أقرأ فيها رواية تجمع بين شعر عذب عذب… وقلم ناثر متمكن..

يااااااااه..روايتك متعة أدبية حقيقية…

فأي قلم ندي تملك..!!

وأي شجن يكسو حروفك ويلونها فتبدو كأوراق شجر ملونة أنيقة..

هل أتحدث عن قلمك وعن جمال أسلوبه القصصي الذي برع في تصوير التفاصيل بكل دهشة… وإحاطتنا بها بكل عناية..؟؟!

تفاصيل زمانية.. ومكانية ونفسية غاية في العمق..

ذلك القلم الذي استطاع بمهارة أن ينقلنا بين فانكوفر والرياض وغرفة مها وأعماق ناصر وأوراق مكتبه دون أن يفقد من خيوطه شعرة واحدة..!!؟

عندما يكون الحديث القصصي بصيغة المتكلم… يأتي أصعب في توصيل ملامح باقي أبطال الرواية بدقة..ويكون التركيز على البطل وأغواره… فقط

لكنك استطعت أن ترسم لنا ديار.. ومها… وأم ناصر… وأروى… والجدة… بملامح نرى أعماقها جيدا..

كما أن لك معجماً زاخراً بصور وألفاظ وأخيلة خاصة بك ومتفردة بقلمك..

لغتك لها جناحان يحلقان بالقارئ فوق قمم بعيدة نابضة بحزن دافئ..

تعرف..!!

من عادتي أن أمسك قلم رصاص وأخطط تحت ما يعجبني من عبارات…

وما أكثرها عباراتك تلك التي تفلسف الحزن والحب والإنسان في كلمات مدهشة..

أنت فيلسوف متمكن اذن..!!

لك ثقافة تهربها من بين سطورك لتصل إلينا محملة بطعم التجربة وبنكهة الدمع المالح..

أجل.. هي ذي فرشاتنا التي نصبغ بألوانها وجنات دنيانا… ثم نشرعها لوحات في إطار منمق من الكلمات..

ولقد وقفت عند الكثير والكثير من هذه اللوحات عليك أن تبحث عنها في ثنايا صفحاتك:

– الكتابة.. نقص المناعة المكتسبة للروح

– الحب..ل ا يكون قرارا أبدا

– الحب.. لص.. اختلسنا من غرفات الحياة..وعلقنا في السماء وهرب..

– لايكمل الحب دائما ما بدأه.. انه يستغل دهشتنا به.. ليرحل..

– كم هي صغيرة المدن التي نسكنها إزاء المدن التي تسكننا

هذه بعض العبارات في الصفحات الأولى من الرواية فقط…

وتزخر كل الصفحات بمثل هذه النصوص المختزلة لمعاني نفسية عميقة..!!

علي أيضا أن أعرج على عنوان الرواية…

لم أفهم العنوان عندما سمعته في البداية..!!

لكني عندما قرأت فلسفتك عن تلك الأنثى التي تصل إلى حد تتساوى جميع النساء تحته..وتستحيل جميع النساء فوقه..

قلت في نفسي"لعمري ..إن ذلك من أجمل ما قاله محب عن حبيبه..وعبارة كهذه لهي ضمان على وفاء صاحبها مدى العمر"

لقد قلت يا محمد في كلمتين اثنين "كل الكلام" وأكثره شاعرية وصدقا وعمقا و………حباً..

*"الكتابة.. زورق أم شاطئ"

كنت صادقة معك في كل ما مضى..

وسأكون هنا أيضا..

كثيرا ما كنت أسائل نفسي..

لماذا نكتب؟؟

هل الكتابة وسيلة أم غاية؟

فإن كانت وسيلة… فإلى ماذا؟ وما هدفها؟

وإن كانت غاية… فما صفات تكامل هذه الغاية.. وما مردوداتها؟؟

تبقى هذه الأسئلة تجول في روحي بفداحة وأنا التي قد تعلقت بالقلم وأدمنت غرسه في روحي..

وكثيراً ما أعود لأجيب ذاتي وأقول:

"الكتابة هبة من الله.. الكتابة قدر… وعلينا أن لا نجحد هذه الهبة..وأن نحسن التعامل مع هذا القدر"

ما دعاني لقول ذلك أن في روايتك بعض التجاوزات التي تقفز بنا في مناطق ممنوعة… ولسنا نحن من منعها لكنها أمور شرعية… لا يجوز لمن تربى مثلنا أن يكتبها ويقرأها من بعده الآلاف.. وليس لذلك أي علاقة بوأد الإبداع.. فلم يكن الإبداع قط يتعارض مع الحدود السماوية والرؤية الصافية..

أنا أنقم يا محمد كثيرا على مجتمعنا تمسكه بعادات بالية ليس لها أصل… لكن لا علاقة لذلك بقواعد دينية شرعية هابطة من السماء..

لو لدي ابنة عمرها ثلاثة عشرة عاماً فأنا حتما لن أستطيع أن أجعل سقف الكفاية في متناول يديها…

فأي حب "شريف" ستفهمه من خلال ناصر.. ومها؟؟!!

وأي ممارسات مجنونة استعذبها هذان العاشقان في عمق الليل..

ووالله إن الحب لأجلّ.. وأصفى مشربا وأكرم غاية من شجرة محرمة كهذه..

تعرف..

بقدر شفقتي على ناصر… كنت أنقم عليه جدا…

أنقم عليه إعجابه بأنثى كهذه… أنقم عليه ضعفه أمامها..

أحقا هذا هو نموذج الأنثى الباهرة التي يحبها رجل كل هذا الحب؟؟!! ويموت في جلالها؟

امرأة تخطب لرجل… وتعشق رجلاً ثانيا.. وتحادث ثالثاً.. وتحتفظ بصورة ورسالة من رابع…

وبين هؤلاء تتأرجح عاطفتها ويتقسم قلبها..

فتعطي اسمها لأولهم… وجسدها وقبلاتها للثاني… وصوتها للثالث… وحبها للرابع…

تبا لها من أنثى اذن… لا تملك من أنوثتها إلا "وحشيتها المهلكة"..

وناصر هذا يستعذب في سبيل الحب كل طريق.. ويدوس على كل مبدأ…

فيعيش في غرفتها… ويستحل جسدها… ويصف أدق أدق تفاصيل حياتها…

هل نريد أن نخبر الجيل الناشئ.. أن امرأة كهذه من تستحق كل هذا الإخلاص… وهذه الأنفاس..

أن امرأة كهذه هي "سقف الكفاية" حقا؟؟

هل الحب مبرر كاف لممارسة كل ماهو محرم ويخالف سواء الفطرة ونقاء النفوس؟؟

أنا لا أتكلم عن "تحريم" الحب… ولكن عن تحريم "تعاطي" الحب بهذه الطريقة..!!

ما دعاني لقول ذلك هو أن ناصر كان ينقم على المجتمع وأده لبذرة الحب… لكن ماهكذا تعالج الأمور..!!

وكأنه يقول لفتياننا وفتياتنا… إن أردتم أن تحبوا في مجتمعنا… فبهذه الطريقة..!!

فهي الطريقة الصحيحة… وهذا جزاء عاداتنا البالية..

أعرف أن روايتك لم تكن إلا تجربة انسانية محضة قد يقع فيها أي منا…!!

لكن ألسنا نستقي جزءا من ثقافتنا من خلال تجارب الاخرين..!!!

أو لسنا نكتب ثقافتنا ورؤيانا وإيماننا بأقلامنا؟؟

لم لا نوضأ هذه الأقلام اذن.. حتى تشهد لنا ولا تشهد علينا..!!

..

..

اعذرني يا محمد…لكنك كاتب بارع ذكي..ملهم..متدفق..مؤثر..

لهذا جاءت كلماتي تلك…!!

ختاماً…تلك لم تكن إلا خربشات على ضفاف قلم استمتعت بمرافقته جدا..

قلم شاعر عذب.. وكاتب ثر..

قلم غرس حبره في القلب ليصل مداده للقلبشجنا مترعا بالشعور…

..

..

اعذرفوضويتي تلك… وقصوري..!!

لكمني أعذب المنى..

وهج