arrow-leftarrow-rightaskfmemailfacebookgoodreadsinstagramtwitter
العودة إلى قراءات نقدية في سقف الكفاية

جريدة الجزيرة

سقف الكفاية.. إبداع روائي تجاوز المضمون

تركي بن منصور التركي

قاص سعودي

شيء ما من الضيق اشعر به بعد أن انتهي من قراءة فصل من فصول رواية «سقف الكفاية»، لا أعرف في الحقيقة سبب هذا الشعور، والذي أثق يقينا انه ليس «تعاطفاً» مع بطلها «ناصر» الذي قتل في عيني كل معني من معاني الرجولة المكتملة..!! والذي جاء بلسان مؤلفها محبطا محطما مغرقا في نرجسية عجيبة.. لا يمكن أن تكون إلا لمن في تكوينهم شيء من النقصان وعدم الاكتمال..!! فالحب لا يعني بحال من الأحوال أن ينكفئ الإنسان على «أحزانه» ظنا أنها فيض وفاء..!! الضيق الذي أشعر به.. يحملني في عصبية غير معتادة وتوتر في الحديث وتشتت في الذهن، وحتى لو اجتهدت في تفسيره.. فقد أضل الطريق لذلك..!! لكنه يبقى شعورا يشي برسوخ هذا العمل إلى داخل نفسي متغلغلا فيها.. مؤثراً على سلوكها.. بصورته السلبية – ربما -!!

«سقف الكفاية» كانت رائعة بحق، جميلة بحجم قلة كتاب الرواية في وطننا المعطاء، متميزة بقدرة كاتبها وروعة أسلوبه الذي نقلني بتلقائية إلى «وحي القلم» و«السحاب الأحمر» و«أرواق الورد».. وغيرها حيث تسكن هناك حروف مصطفى صادق الرافعي الذي تتلمذت على حب كتابته، الأسلوب الذي أتحفنا به محمد حسن علوان في روايته ذكرني ببؤس أبو القاسم الشابي وأبياته المغرقة في اليأس والقنوط من الدنيا، مؤكدا على صدق تأثره به وهو يورده بين ثنايا روايته مرة في علاقته بحبيبته أو استشهادا بأبياته، ورغم أن العمل روائي.. إلا انه طغت عليه لغة شاعرية من أول الرواية حتى آخرها، حتى انك لو فصلت أجزاء منها عن بعضها لتكونت لديك مقطوعات شعرية جميلة، وهذا يجعلني «أخمن» أن الرواية لم تأخذ الشكل التتابعي في كتابتها بل إني أعتقد بما يشبه الظن أن المؤلف أدخل عليها نصوصاً كانت منفردة كتبت في وقت مضى، خاصة مناجاته لوالده ووالدته وبعض رسائله لحبيبته وأخته.. فأشعر وأنا اقرأ الرواية أن ثمة استطرادات لم يكن لها مبرر أشار إليها المؤلف نفسه واعترف انه اخطأ فيها مثمنا نقد د. القصيبي ود. الغذامي في هذا الجانب ومتمنياً لو أنه سمع نصيحة صديقه قبل طباعتها.

والمؤلف يبتدئ روايته وهو قد منح القارئ معرفة النهاية الحزينة له، ورغم ذلك استطاع بأسلوب مشوق وعبارات جذابة أن يجعل القارئ يواصل متابعته للقراءة حتى يكملها دون أن يشعر بالملل إلا من بعض الاستطرادات المملة بعض الأحيان رغم صفحاتها الـ400، وأمر اجتذاب القارئ حتى النهاية رغم معرفته – أي القارئ – بمصير البطل مع حبيبته تميز وتفوق يحسب للمؤلف، وان كنت أرى أن الجزالة الأسلوبية والتأنق اللفظي الذي أسرني به المؤلف في الأجزاء الأولى قد خف وخفت في الأجزاء الأخيرة خاصة الجزءين الثامن والأخير، حيث ظهر عدم الترابط بين أفكار المؤلف وكثرت استطراداته، حتى استشهاداته الشعرية اشعر أنها ضلت مكانها الصحيح في الجزءين الأخيرين فأتت مبتورة بلا معنى، كما أن المؤلف نقلنا فجأة في الأجزاء الأخيرة بين «فانكوفر – لندن – فانكوفر – لندن – الرياض» وكانت المدة الزمانية في أحداث الرواية أطول من تلك التي وردت في الأجزاء السبعة السابقة.

النهاية في رواية محمد حسن علوان أتت غير مفهومة، فرغم تراجعه النسبي عن «التزام» الحزن.. والركون للألم إلا انه أبقى النهاية مفتوحة وكأني به يهيئنا لجزء آخر.. لا نعلم هل تعود فيه «مها» إلى «ناصر».. أم أن هناك تغييرا سيحدث؟.

الرواية اقتربت كثيرا من كتابة المذكرات، سواء ما يتعلق منها بعلاقته بحبيبته أو علاقته بالآخرين «والدته، إخوته، صديقه، مس تنغل.. إلخ» مصورا آلامه وأحزانه معهم وهو يقول على لسان بطله «بدأت الكتابة كيفما اتفق، القي الحروف وتتشكل..» ويقول أيضاً: ولكني احتاج إلى بضعة أوراق.. اقرب ما تكون إلى رواية، افرغ فيها أحزاني.. والمؤلف يجري القلم على لسان بطله، وهو ما يجعل السؤال الذي عانى منه المؤلف كثيراً ومن كثيرين ذا حضور كبير ألا وهو «هل حدثت الرواية أم لم تحدث..؟» وهو سؤال وجيه جداً، خاصة مع تشابه واقع المؤلف وواقع البطل ذاته، فكلاهما شاعر وكلاهما يتيم وفي مرحلة سنية واحدة.. وغيرها من التوافق، ورغم أن المؤلف حاول تبرير هذا بأن الرواية الأولى لكاتب ما لا بد وان «تفوح منها رائحة السيرة الذاتية أو الأحداث الشخصية.. إلا أن التشابه الذي يكاد يكون مطابقاً للواقع يبرر للكثيرين «فضولهم» وطرحهم لهذا السؤال..!! كذلك زعم المؤلف انه تعمد أن يلبس ثياب البطل «ليسهل على التقاط مرادفات الأحداث، وردود الأفعال، والخلفيات الزمكانية، بسهولة وواقعية مباشرة وسواء كانت الرواية سيرة ذاتية أو قصة مختلقة أو زاوجت بين الأمرين.. فهذا لن ينقص من تميزها وروعتها التي لا تحتاج لشهادة «متذوق» مثلي..!!

وما يزيد من العمل جمالا وبهاء هو حداثة سن كاتبها، والتي يبدو أنها «تهمة» أرهقته هو قبل أي شخص آخر، فشاب في الثامنة عشرة أو حتى العشرين يكتب بهذا الزخم الأسلوبي الرائع، ويحشر في روايته العديد من المعلومات والأخبار والقراءات والاستشهادات من هنا وهناك لهو حري بالتقدير والثناء.. والتساؤل!!، خاصة وان بعضها قد تخطى مرحلته السنية الشابة كأحداث حرب الخليج الثانية والحروب العربية الإسرائيلية حتى بعض الأوضاع الداخلية والتاريخية لبلد مثل العراق، ورغم أنها معلومات قد يجدها باحث في الكتب والمؤلفات المختلفة إلا أن توظيفها بهذا الشكل لخدمة الحدث كان أكثر من رائع، وهي أيضا مما يحسب للمؤلف حينما استطاع أن يلم بأحداث تاريخية معينة لخدمة كتابته الإبداعية الأولى.

الرواية حفلت بما تستحقه من الاهتمام الثقافي في بلدنا وفي عدد من البلدان العربية، وكان استقبالها رائعا ومبتهجا بمولد كاتب روائي متميز أبدع في باكورته.. مما ينبئ بمستقبل مشرق.

ومن المآخذ التي لاحظتها وعانى منها المؤلف حسب ما ذكره في مقاله بجريدة الرياض، هي بعض الشطحات الأخلاقية، فهو قد وظف «الجنس» بصورة تتنافى وقيم هذا البلد وعاداته، وهو يذهب أحيانا في مقاطعه إلى تصريح نستغربه من كاتب لم يتشرب قيم هذا البلد فكيف نرضاه لمن تربي وتتلمذ على أرضها؟ ورغم أن المؤلف الشاب محمد علوان قال في معرض دفاعه عمن وصف روايته بالانحلال والعيب ومحاولة التغريب أن «الرواية كجنس أدبي تهتم بحصر الواقع كما هو، وتصويره حيا بأسلوب فوتغرافي أمين». ويضيف في موقع آخر ان الأحداث المتضمنة للرواية تحدث بشكل يومي في كل المدن مثل الرياض.. وليسمح لي أن أقول له أنك أخطأت فيما زعمت..!! بل وتجرأت لتصف مجتمعك بما ليس فيه..!! أتذكر في بدايات عشقي للقراءة وأنا اقرأ لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما.. أني كنت ارسم واقع المجتمع المصري آنذاك..
كما نقله أولئك!! بمعنى أدق أن الرواية هي تجسيد حي لما يدور داخل المجتمع.. أو هكذا يجب أن تكون..!! وبعيدا عما أن كان ما كتبه أولئك يحدث بالفعل هناك أو لا.. فإن «الجزم» أن ما كتبه محمد حسن علوان هو «الواقعية» الصاخبة للمجتمع السعودي.. وان «نصف الرياض عشاق.. ونصف العشاق..» هو الظلم بعينه لمجتمع يكثر فيه الخير والصلاح وتنتشر فيه الفضيلة بحجم انتشار المساجد في الأحياء بشكل لا يفصل احدها عن الآخر إلا شارع أو شارعين..!! أتخيل قارئاً من قطر عربي ما وهو يرسم بمخيلته مجتمعنا كما رسمه محمد علوان عما يفعله «ناصر ومها» من جرم لا يغتفر.. ولا ترتضيه أجرأ عائلة في هذا البلد..!! حتى لو تحجج المؤلف أن الرواية يجب أن تجرد من الأحكام الشرعية والنظرات الأخلاقية ويجب أن تحاسب على كونها عملاً أدبياً فحسب يبيح لها مؤلفها أن توظف «الجنس» وان تتناول الحساس واللاأخلاقي من الممارسات الإنسانية.. دون أن يقيم اعتبارا لقيم المجتمع وعاداته وتقاليده..!! نعم.. لن أكون مثاليا وأقول أن قصة «ناصر ومها» لا تحدث في مجتمعنا.. لكن الجزم أنها «تصوير حي بأسلوب فوتغرافي..» هو ما لا يقبل البتة..!! هي تحدث في نطاق ضيق.. بل محدود جداً!! ومنحها الضوء الأكبر لتكون هي الأساس الذي يقيم المجتمع بموجبه.. ظلم أكبر..!!.

لقد أسرف المؤلف وهو ينتقد المجتمع الذي لا يحفل بالحب والمحبين..!! وبالغ وهو ينعت العادات والتقاليد «إن كانت كذلك فحسب» ويشنع بها على لسان ناصر..!! بالغ وهو يسرف في انتقاد «سالم» ويصف ارتباطه «الشرعي» بزوجته بأوصاف لا تليق للحيوانات.. فضلا عن آدمي قصد الباب ولم يدخل من النافذة.. كغيره..!!.

الجانب الآخر الذي أوقفني فيه المؤلف كثيرا بحيرة وتعجب، هو صورة بطله المهزوزة..!! الذي يعشق «الحزن» حتى الثمالة، بشكل لا يتكرر بل لا يمن أن يوجد على ارض الواقع بهذه الصفة أو الشكل، حتى جعل الرجل مسخا لحطام لا إرادة له ولا قدرة..!! وفي المقابل.. أسرف في «جلد» حواء ونعتها بأوصاف لا تليق بأم.. وأخت.. وزوجة.. وابنة..!! رغم أنه وقف في محطات أخرى وهو يرسم صوراً زاهية لأخته «أروى» ووالدته أو حتى «مس تنغل» ويصورهن بما ناقضه هو وهو يعمم على جنس حواء بأجمعه..!.

وختاماً، فإني ما زلت أرى أن العمل يستحق الاهتمام الإعلامي الذي حفل به وأفرد له جزءاً من صفحاته للنقد والتقويم، خاصة وان المؤلف مع صغر سنة وحداثة تجربته يحتاج لهذا الصوت، وجميل جداً أنه اعترف «بندمه» على عدم سماعه لكلام صديق له نصحه بإحداث بعض التغيير في الرواية، والذي أظن أن الخاسر الأكبر في عدم حدوثه هو المؤلف نفسه.. حينما حرم شريحة كبيرة من القراء من الاستمتاع بإبداعه.. لسبب هو يعرفه أكثر من غيره!! مؤملا ومتمنياً أن يواصل مبدعنا الشاب إمتاعنا برواية جديدة.. لعلها تحمل لنا «الأمل» بدلاً من «الألم» الذي اعتصرنا طويلاً ونحن نمضي مع روايته ساعات طوال..