arrow-leftarrow-rightaskfmemailfacebookgoodreadsinstagramtwitter
العودة إلى قراءات نقدية في طوق الطهارة

مجلة الحرس الوطني

دعوة إلى محمد حسن علوان

سيمون نصار

كاتب فلسطيني

يكتب محمد حسن علوان بخفة طائر صغير وبسرعة سلحفاة برية، هو كاتب روايات بالمعنى الدقيق للكلمة، ولهذا ربما يأخذ وقته بالكامل، لكنه إلى ذلك أيضاً، كاتب مقالة صحافية رشيقة اللغة، تحمل في طياتها الكثير من الجرأة والقدرة على التشريح لمخيلة روائية رومانسية فذة. وفي وقت أن مصطلح الرومانسية الذي أستخدمه هنا، لا يصح على معظم الروايات السعودية، إلا أنه مع علوان يتحقق في البحث نحو الرواية، أو باتجاه قلبها النابض. وهو هنا لمدلول كلاسيكي بحت لا أكثر. ففي الروايات الثلاث التي نشرها لغاية اليوم (سقف الكفاية، صوفيا، طوق الطهارة) كان البحث دوماً عن الجانب الإنساني للبشرية، أى عن الحياة نفسها بوصفها أداة تعذيب للرومانسية الحالمة.

والحق أن روايات علوان تفترق وتختلف، بالجوهر والرؤية والمفهوم، عن كل ما يكتب من روايات في المملكة. ليس لأنه، على الأرجح، الوحيد في التميز. لكن لأن روحاً مدينية تحوم في مجمل أعماله. وعلى هذا، فإن الفرادة تأتي، هنا، من رؤية مختلفة لواقع الحال. في مدن يبقى النمط اللامديني مسيطراً على جوانب الحياة المختلفة فيها، فالجانب الاجتماعي الذي أقصده تحديداً، ليس البداوة بمفهومها المتأخر عن ركب الحضارة، إذ لم يعد يوجد بداوة متأخرة في هذا العصر الذي يتميز بسهولة وسائط الاتصال. لكنها البداوة التي تجنح إلى تأكيد نفسها من خلال حالاتٍ هي بشكلها وخصوصياتها المعلنة بعيدة عن البداوة بُعد الأرض عن كوكب الزهرة، هي إذاً حالات شاذة عن المدينة في حركيتها المستمرة نحو أمام واسع الأفق وبعيد، الأمر الذي يؤكد أن علوان كروائي يبحث عن عمق المشهد المديني في مدن لم تخلُ لغاية اليوم من هذه الحالات الطافية على سطح المدينة، حيث يقوم التشويه بتأثير طفيف مقارنة بحجم التغيير الهائل الذي تشهده المدينة.

إن النجاح الذي حققه هذا الروائي الشاب، من خلال ثلاث روايات تدور أحداثها، دائماً، بين الرياض ومدينة عربية (بيروت) يبدو للبعض كونه سعودياً ويكتب في زمن تعطش المجتمع العربي لقراءة السعودية من خلال الأدب وتعطش سعودي فائق لكتابة الذات كما هي لا كما يخيل للبعض الآخر وللأنا في مجمل الأحيان، وهو نجاح أحسب أنه محفوف بالمخاطر إذا حسبنا أن قيمة العمل الأدبي لا تتعلق بأي حال من الأحوال برواجه ونفاده من الأسواق بسرعة البرق. وباستثناء (طوق الطهارة) التي نفدت بسرعة في طبعتيها الأولى والثانية حسب إحصاءات الناشر، فإن (سقف الكفاية) و(صوفيا) أخذتا من الوقت ما يكفي على مستوى التسويق وعلى مستوى القراءة. مع ذلك فليس هذا المكان المناسب اليوم لتقييم عدد كبير من الأعمال التي نشرت وتم الترويج لها بشكل هائل إعلامياً، إذ إن ذلك ليس دليلاً على جودة هذه الروايات أو عدمها. بل مجرد رواج لا يعني شيئاً في مفهوم الأدب الحقيقي.

أعتقد كما يعتقد غيري، ربما وعلى الأرجح، أن الرياض لم تُكتب كمدينة لغاية الآن في نص روائي طال أو قصُر، وفيما عدا محاولتين جيدتين كتبتا حول المدينة، لم يكتب أحد بالشكل الذي يعطي المدينة حقها كمدينة وليس كأجزاء متناثرة لا يجمع بينها سوى نظام إداري؛ ففي المحاولة الأولى كتب إبراهيم الخضير رواية طويلة بلغة مجردة لا لبس فيها لكنها أيضاً ناقصة، إذ كانت تتحدث عن فترة محددة من تاريخ المدينة ومعها منطقة الخليج العربي أثناء حرب الخليج الثانية، وكانت روايته كاشفة للتيارات الفكرية والسياسية التي تعيش في المدينة من دون أن يدخل ولو كطبيب نفسي في التشريح الأدبي لشخصياته. لكنها مع ذلك ودون أي شك تعتبر مرجعا مهماً في معرفة المدينة.

أما المحاولة الثانية فكانت مع فهد العتيق في (كائن مؤجل)، وفهد كاتب قصة مميز جداً لا يضاهيه أحد في المملكة بالجدة والمهارة، لكنه مع ذلك، وهذا رأي شخصي، لم يوفق في كتابة المدينة التي تجنح منذ سنوات إلى صياغة الروح المدينية التعددية، حتى لو لم تكن هذه التعددية ظاهرة للعيان. مع ذلك فما لدى فهد، المتمكن من اللغة بقوة عين فريدة في اقتناص اللحظات التي تصنع رواية، هو القدرة على المحاولة من جديد، وليس في هذا ضير أو عيب.

إن الدعوة التي أوجهها إلى علوان، هنا، لكتابة رواية المدينة الحقيقية، الرياض الحقيقية في ماضيها وحاضرها، ليست بالضرورة دعوة خاصة به فقط، فالأمر ينسحب على عدد لا بأس به من الروائيين المجدّين في المملكة. لكني أوجهها له، بالأخص، لثقتي بقدرته على تكبد مشروع روائي بهذا الحجم قد يكلفه زمناً وتعباً ومتابعة وقراءة وبحثاً وتقصياً، وهو لعمري قادر على تكبد مثل هذا الأمر. وليس عليّ، بالطبع، كما على غيري، سوى انتظار خروج رواية أو روايات تحكي هذه المدينة التي لا بد أن فيها الكثير مما يمكن أن يقال.

* غرونوبل- فرنسا