arrow-leftarrow-rightaskfmemailfacebookgoodreadsinstagramtwitter
العودة إلى قراءات نقدية في طوق الطهارة

مدونة إبراهيم عادل

أخيـــراً… طوق الطهارة

إبراهيم عادل

مدون مصري

أحب الحالات التي تضعني فيها رواية…منتظرة، ما إن أجدها أخيرًا قابعة في ركنها الأثير من المكتبة حتى يتقافز لها قلبي فرِحًا، وكأنه ظفر بمحبوبة حلم!…
حدث ذلك ليلة الجمعة، بينما كنت خارجًا من موعدٍ لم يفِ صاحبه!، ورأيت (طوق الطهارة) هناك، خشيت أن أسأل البائع، حتى لا يجلبها لي بطريقته المكشوفة العادية، ما أمتع أن تبحث عما توقن بوجوده بين مجموعات الكتب، هي موجودة، أخذت أجوس بعيني بين العناوين، التي أعرف أكثرها، أنتظر أن أقع على الـ(طوق)، تبًا لهم، لماذا يعاملون ما أحب بهذا الـغباء؟!!، ما في الكتب الأخرى يجعلها المقدمة، والبارزة أكثر من روايتي؟؟، وجدتها!

أمسكت بكِ.. أيتها الـــ…رواية!
كنت قد تأكدت مسبقًا من قدراتي الشرائية، قبل أن أصدم برواية لا أقدر انتزاعها من رف!! وعلى عادتي، لا أحب أن أتكلم كثيرًا عما أحب أمام الأغراب، انسحبت بسرعة ، بعد أن أخذتها، وبعد أن قرأت سطور الغلاف الخلفي…
وضعتها في الحقيبة، كنوع من التهدئة، كلصٍ يخشى على تحفة من انتهاك عيون المارة، نعم، وددت لو وقفت الميدان كله، وهتفت، معي طوق الطهارة الآن ، شيء قريب الشبه حدث عندما اقتنيت ثلاثية أحلام (رغم أني اشتريتها بعد أن كنت قد قرأتها!!)
قطعًا لم تتحمل نفسي الفضولية بطبعها أن أتريث حتى مكان يسمح بالقراءة! ، حينئذٍ كل الأماكن..تسمح! ، تقف في الميدان..تقرأ سطورًا ، تتوقف قليلاً ، عزمت على ترك الميدان، وإلغاء مواعيد أخر، وغلق الهاتف المحمول، والسير قارئًا!!
بعض الروايات لا يمكنني أن أقرأها إلا في الحالات كلها: ماشيًا واقفًا نائمًا… كـ الطوق تلك!

علمت منذ البداية أي متعة ستضفيها حروفها وكلماتها على ليلي ونهاري!!
أذكر الآن النقلات المحورية فيها: الصفحة الـ30 ، ثم ال 150 تقريبًا ، ثم الـ 205 ، وأخيرًا 287حيث رنين الهاتف المحمول….
أحب أيضًا ـ كثيرًا ـ تلك الروايات/ الكتب التي ترغمني على أن أفكر بالفصحى، وأتمنى لو استطاع عقلي المتذاكي أن يكتب بسرعة كما يفكر!، بدلاً من أن يستمر في بعثرة أفكار بهذا الرونق، والجمال، أتذكر كل شيء، ما يتعلق بما أقرؤه، وما لايتعلق، الجميل في الأمر(بعيدًا عن الشجن) أن هذا كله يحدث بالفصحى، بطريقة تستفز الكتابة!، ولكنها لا تكتب أبدًا!!

أتذكركِ..جدًا، وإن كنت لا أنساكِ ، اللغة تقول لنا أن الفعل اسمه “تذكر” ، لكنها تخطيء كثيرًا، كما تخطئ دائمًا في وصف علاقتنا بأحرفٍ ثلاثة، أو أربعة، وحروف السماء والأرض لا تكفي أصلاً ، تقول اللغة أتذكرك، لكي اصف أني أعيشك (مثلاً)، ولتصف أني الآن في الأماكن نفسها، وبشعور شديد الشبه بما (كان!)
لأمرٍ ما يستفز ابن علوان في رواياته التي لا تتقاطع معي، ربما، في شيء،ولكن طريقته في السرد تجعلني أتذكر، لا ريب ليست فكرة تيار الوعي فحسب، شيءٌ ما آخـر، أجهله، ويروقني غموضه! هناك أشياء لا يجب أن تنتهك بقسوة، نحب أن نتركها هكذا، دائمًا مثيرة، ودائمًا ثرية، تمنحنا المزيد، اليوم ـ بالمناسبة ـ استعدت قراءتها…
في نظري ـ وكما أكدت في المسحوق والأرض الصلبة من قبل ـ أذكى الكتابات وأقواها هي تلك التي تمنحك قراءة ثانية، أو على الأصح، ضرورة القراءة الثانية، لم يعد في الأمر لغزُ ما، أو أحداث تجهل تسلسلها، وتعاقبها، أنت على علم بأحداث الرواية، ولم يبق إلا ما بين السطور، بالأمس اكتشفت أن قراءتنا الثانية دائمًا تمنحنا المزيد، من الفهم، العمق، الإداراك، وإلا لم يقل العقاد أن قراءة كتاب مرتين أجدى من كتابين مرة واحدة!، يسوءني أني ربما لم أجرب هذا إلا مع الروايات! ، تلك التي تأخذني إلى عوالمها الجميلة المستحيلة، ربما على كل ما فيها من شجن ومآس!
لازال صدى ابن زيدون يتردد: يقضي علينا الأسى لولا تأسينا!

قرأتكِ إذاَ، وحضرتِ في كل حرف ، على الرغم من أني لست وحيد أبوي، ولم أمر بتجارب نسوية مكشوفة كتجارب البطل، ولا حتى مع البطلة!
هناك خصوصيات في تعاملاتنا الفردية دائمًا، لم أسمع أو أقرأ قصتين متشابهين حد تطابق الأيدي! ، من حكمة الله في هذه الحياة أن وضع لسيناريوهات الحياة تخالفًا عجيبًا محيرًا، قد تتشابه المقدمات، أو النتائج، لكن العبرة في التفاصيل! تلك التي تمنح القصة قصتها، وسرد الحكاية سـردها! ، لذلك كثيرًا ما كنت أكره سؤال: عما تتكلم الرواية، أو ما قصتها؟، ماذا إذا علمت أن ثلاثة أرباع الروايات تتحدث عن قصص حب فاشلة، أيعني ذلك أنهم متشابهين؟!!، جزء من براعة الراوي/المبدع هو قدرته على الإمساك بذلك الاختلاف، قدرته على جعل فصل واحد ذروة أحداثه، وفصل آخر لاشيء!!

أنا اسمي أحمد، وأبي ضابط في الجيش، أمي تعد لي الفطور كل يوم، وكانت تحبني، كنت أذهب للمدرسة، وأقابل الأولاد الآخرين، لكني لم أكن اجتماعيًا، عندما كبرت كنا نذهب إلى الحديقة للتنزه، هناك تعرفت على فتكات(مثلاً) كانت متوسطة الطول شعرها أسود، و..، كذا وكذا ، طريقة كالسرد تلك مملة جدًا، بل وغبية أيضًا، لأنها تفترض في القاريء غباءً بشكل أو آخر، تعجبني جدًا القصص والروايات التي تسرد الحدث غير عابئة بكيفية وصول المعلومة إلى القاريء، اجعله يستنتج الأحداث، قطعًا يحدث هذا دائمًا مع الرواة المحترفون، فقد كان ممتعًا بالنسبة لي (خاصة في حالة الراوي البطل) أن تتداعى الأسماء تلقائيًا كما تكون في الذاكرة، مما يكسبها واقعية أكثر، وتشد الانتباه بالتالي أكثر لكي لا تفلت الأسماء والأحداث من ذهن القاريء، وطريقة أخرى مثل إلقاء المعلومات التي ربما تبدو خطيرة على مهل ن كحبات المطر في بدايتها، لا أحب انهمار الأحداث، تجعل المرء يشعر كما لو أن الرواية ستتنتهي أو أن صاحبها أراد أن ينهيا بسرعة!!

مع القراءة الثانية تتجدد المتعة، وتكتشف روعة اللاندهاش، معرفة الحدث تجعلعك تستمع بوجوده، وطريقة رسمه الرائعة، الفواصل هذه المرة أقل : 110ـ 160 ـ 210 ـ287 حيث النهاية!
أحيانًا أشعر أنه من الخطأ انتهاك الرواية بشكل أكبر، يجعل العودة إليها مستحيلة، لذا رأيت ألا أكتب كل شيء عنها الآن!!

* * * * * * * *

2ـ الرواية :
مرة أخرى الرهان على فشل قصة حب، الأمر بادٍ منذ البداية، والسبب مجهول!
لأمرٍ مـا استعادت طوق الطهارة الكثير من غزارة ما جاء في الـ(سقف) على الرغم من اختلاف البطلين، ولكن قصة حبٍ موءود تجمعهما..
شاب محبٌ ، وامرأة استثناء، وحب جارف، بل وزواج(كاد) أن يكون ، هذا فارق هنا إذًا..
عائلةٌ مختلفة، وعبث مع أكثر من امرأة، في محاولة للهروب والنسيان على طريقة المداواة بالداء! هذا كله جديد…
والمرض النفسي، والطفل الذي يتعرض لحالات تحرش، وحبس الأب لظروف أمنية ، العلاقة بين بيروت والرياض، والحوار حول المرأة…. كلها فيما أرى قضايا جادة وجديدة.
تحسب له إذاً لم يغرق البطل هذه المرة (وإن كنت أرى أن أي مقارنة بين الروايتين ستكون مجحفة لكليهما) لم يغرق حتى أذنيه في حب محبوبة انتهت عندها كفايته، وإن ظل غيابها مؤثرًا وفاعلاً ، إلا أن الحدث الرئيسي للرواية، يبدو من الطرافة( والاجتماع بأحلام مستغانمي مرة أخرى) بحيث بدا “عكس” الرواية التي كانت تكتب لتشكو الهم (سقف الكفاية)، في حين تبدأ هذه من سرد ما أوصل لنتيجة قريبة الشبه، حيث الرواية قد كتبت فعلاً، ووصلت البطل المحب القديم!

وهكذا بدا البطل أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على تبرير مواقفه منها، ومن أسرته، ومن المجتمع، وأكثر دراية بالعالم من حوله، وعلى الرغم من المتعة العامة التي تبثها فصول الرواية، وصفحاتها كلها، إلا انه كان بارزًا (ولأول مرة) أن الفصلين الأخيرين جمعا كل أحداث الرواية، واستأثرا بجودة عالية، وبمساحة من الشاعرية (التي اعتدنا عليها معه) أكبر، وأعمق..

من السلبيات التي لا أعتقد أنها تغتفر لروائي أصبح متمرسًا تراوح الحوار عنده بين العامية والفصحى، واضطراب ذلك بشكل لا يوحي بالقصدية، أكثر مما يشي بالارتباك!
ومبكرًا كان الحوار عند ابن علوان علامة دالة وفارقة، وإن كانت مساحات السرد، واللعبة باللغة أكبر بكثير، على نحو ما تبرع أحلام مستغانمي، كأن يكون بين الكلام والرد عليه صفحة (وربما اثنتين) من السـرد المتعلق، أو المتداعي مع الكلام، ومن الطريف ـ في هذا المقام ـ استدعاء موقف ”بحواراته“ داخل حدث لا يرتبط بالمستدعى من أجله كثيرًا (أقصد تحديدًا استدعاء أيمن والحوار حول المرأة في نهاية الرواية، بينما كان حدث هذه الفقرة السفر إلى بيروت) والحق أن استدعاء كهذا يؤكد تيار الوعي الذي يعتمد/يرتكز عليه الراوي هنا على كل حال!

كانت الذروة (فنيًا وحدثيًا) في الفصل قبل الأخير، إذ ”أخيرًا“ يكشف لنا السارد سر ابتعاد الزوجة ”المرتقبة“ عنه، وتحولها إلى ذلك الموقف الذي يبدو عدائيًا من البطل! المهزوم ، وجميل أن يضفر مع حدث الرحيل الدرامي هذا أحداثًا أكثر حميمية، وجمالاً، كأن يسرد موقف وفاة أمها بعد انفصالهما، وأثر ذلك عليه، وتدرج سماعه للخبر، ثم ينهي الرواية بذلك الفصل الذي يبدو هادئًا، بعد عدد من رسائل الجوال الناقمة على طريقتها في التعامل مع حزنه/حبه الذي كان!

من طوق الطهارة:
(بعيدًا عن بعض الاعتبارات التي ترى أن العبارات والجمل المأخوذة من نص رواية، هي عنوان لضعفها، أو وسمها بالحشو، درجت على أن اختار بعض الجمل، مثل هذه :

· لم يعد الشتاء يجيد الوقوف بنا مثلما كان يفعل من قبل، صار شيخًا مسنًا بلا حول، أخفت الأيام صوته القوي، وانتهكت حنجرته الحارة، وتركته عليلاً يوشك أن يتقاعد عمله في الزمن، ويترك المدينة وراءه لفصلها الوحيد الذي تعرف لغته: الصيف!!

· كم يوجعني الشتـاء! ذاكرتي منه موبوءة ومريرة، مثل تواريخ البلاد التعيسة، ليس لأن كل أحزاني حدثت في الشتاء، فلحسن الحظ أن أقداري ليست بهذه الدقة، ولكن الشتاء يملك قدرة وحيدة على بعثها من جديد!، وعلى أن يعيد سرد أخباري مثل راديو الدهر، ويستطيع أن يعيدني صغيرًا جدًا، ويلقيني مرة أخرى في الزاوية المظلمة المغبرة من خزانة الثياب. يستطيع أن يفعل العجائب، هذا الكائن البارد عنده مهمات قهرية أكثر بكثير من مجرد الزمهرير والبرودة!

· أنا لا أحب الشتاء، ولكنه الحالة الوحيدة التي تستوجب النار، ولهذا أنتظره وأنا مثقلٌ بالأكاذيب، وبمثالية القلب العوجاء، ليس من أجل زمهريره ونوافذه المقفلة، ولا من أجل الصوف.. لكن لأني انتظر حضور الموقد الذي سأنتظم فيه ثلاثة أشهر، مثل عاشق نجيب، لأتعلم الكلام والدفء والحكاية!!
الأمر يشبه علاقتنا بالحرب، نكرهها جدًا ولكننا نؤمن على اختلاف ولائنا أنها الحالة الوحيدة التي يمكن أن نلمس من خلالها الوطن على حقيقته. الشتاء يجعلنا ندخل غرفة الحقيقة ولو على مضض، ونعترف للنار مثلما يعترف المخطئون للقس، ونخرج من الشتاء بقلوب لا يعني شيئًا طهرها من عدمه ، المهم أننا صرنا نعرفها أكثر.

· النبل دائمًا حالة قابلة لإعادة الممارسة، مثل بقية الأخلاق، ولهذا أنا مرنُ جدًا في خلع ولبسه مرة أخرى كما تقتضي الحاجة، مادمت قد اقتنعت أخيرًا أن اللم الذي أشعر به وحدي، سأظل أشعر به وحدي!، ولن يشاركني فيه جمهورٌ من المتعاطفين كما يحدث مع أبطال الأفلام السينمائية، فلا أحد في الدنيا يراقبني عبر شاشة كبيرة تجعل الأشياء جميلة مثل شاشات السينما، وتنقل ما يحدث في الركن الحزين والوحدة الناهشة. إنني أتصرف في المجهول، وأمارس حياتي في عدم لا يشعر به سواي، فما جدوى النبل هنا إذا كنت أنا المشاهد، والمشهد؟!

· آمنت منذ سنوات أن المدينة إذا تحالفت مع الصحراء، فلن يدفع ضريبة هذا الحلف المريب إلا ساكنوها الذين تخدشهم الريح الجافة منذ الأزل… والرياض مدينة تتمتع بقدر لا بأس به من حذق الصحراء وخبث المدن ، تحتاج إلى حذق مثله حتى نتكافأ معها في جدل الحياة اليومي، وسكنى المدينة الصعبة. فالحياة تشبه حالة شطرنج نفسية مستمرة بشكل يومي، لمقارعة ضجيج المدينة وتحمل ما تفرزه من نفايات الكدر، والضيق، ككل المدن الكبيرة التي تنشأ عشوائيًا في وسط الصحراء.

· في الصباح تمتنع النخلات عن الكلام، وأشعر بصمتها المتعمد، وكأنها حالة خاصة من اليوغا، تركز فيها جهدها على الاستطالة، لعلها تبصر آفاقًا أبعد، أما بعد الظهيرة فتتنهد جميعًا بعد أن تفرغ من طقوسها الصوفية المرهقة، وذلك هو أسوأ أوقاتي فيها على الإطلاق، عندما تتنهد مئات النخلات دفعة واحدة في وجهي!

· كتابة الانترنت تفقدني وعيي بالأسطر والصفحات، كل شيء منسدل مثل ستارة لا تنتهي، فقدت وعيي بالمكان تقريبًا،… لم يكن ثمة صرير قلم، أو انطواء ورقة يمكن أن يوقظني من حالة حلمية طويلة اجترحتها بهذه الكتابة، حالة مقاومة للموت، لا سيما ذلك الموت العادي الذميم، تأكدت تمامًا.. أن أوجع الأيام بعد الحب ، ليس أولها، لأن النبتة لا تتألم فور انقطاع الماء، بل عندما يبدأ الجفاف فعلاً!!

· يؤلمني أن بعض الحكايات عندما تبعث على هيئة كتابة، تتحول إلى ما يشبه الرنين الذي يصعد ويهبط في مواقع مختلفة من الحكاية، معطلاً سيرة الشجن، إلا الذي يتردد في صدري أنا وحدي…. ربما هذا ما يجعلنا محدودين بعدة آلاف فقط من الحكايات المكتوبة، إزاء الملايين منها التي حدثت في الحياة، ولكنها رفضت أن تحني رأسها الدرامي الرفيع للكتابة.

· تصورت أن الحب يندر أن يجمع لنا الحسنيين، إما أن يمنحنا رغدًا مؤقتًا وهادئًا لا يلفت الأنظار المؤذية، نقلب فيه بعض الأمل، وإما أن يعود مرة أخرى بعد حين، ليسترد عاديته، ويلملم أشياءه ولحظاته، وغمراته، ويجمع أصداء القبلات في كيسها، والضحكات في صندوقها، ويحسر وشاح الرحمة الكبير في جيبه الواسعن ويغلق علينا الستارة، ويوصد وراءنا المسرح، ويختم علينا بالموت العادي، ثم يرحل نحو اثنين آخرين! هل حدث أن خيرنا مثلاً إذا كنا نرغب في أحداث مختلفة؟ كأن نشتعل معًا مثل خيطين مضفورين من البارود، ينتهيان إلى ديناميت؟، لنفرض أنا رغبنا طوعًا في أن ننفجر منبهين كل من حولنا إلى أن ثمة قصة حب لولبية حدثت هنا، وأن العاشقين تحملا آلام هذا الاشتعال، ومِزَق هذا الانفجار، من أجل أن يخلفا وراءهما حكاية لا تجرفها الأيام بسهولة، ويتسحيل أن تلملم أطرافها الأفواه، والأوراق , والمقاهي، لأنها انفجرت ، وتبعثرت في كل المجرة. لا يمنح الحب خيارات أخرى، إلا عندما نتوهم ذلك، وفي اعتقادي أن البشر لم يكتبوا الكتب، ولم يصنعوا الأفلام إلا عندما بلغ إحباطهم من عادية الأشياء حدًا جعلهم يبرون كل ما حولهم، ليتحول إلى أسنة حادة يخترقون بها هذا الجدار العادي المؤلم. الاشتعال لم يحدث يومًا وحده!ن ليس من عادة الطبيعة أن تحرق نفسها، علينا نحن أن نتحمل أعباء ذلك إذا بقينا تواقين إلى كل حريق جميل!!

· في الفرح : وجهي آنذاك أصبح مرآة كبيرة يرى فيها كل شيء.الله، والأنبياء، والملأ الأعلى، والأحلام التي طفحت من قرارة القلب، لتحتفل في ذروة الجبين كل السعادة التي اسقطها الله على الأرض التقطتها وحدي تلك الليلة، وركبتني نشوة العالمين، وبركتهم، وخير ربهم….. كنت أشعر بأني واقف أعلى قمة على وجه الأرض، حتى أني أشم أصابع القدر، وأشعر بالندى يكتنف كل زاوية ضيقة من روحي، ويغسلها بعطر غريب.

· كيف يستطيع القدر أن يقلب الأدوار إلى هذا الحد، وبهذه الزاوية، من النقيض إلى النقيض، كيف شطبنا فجأة من لائحة السعداء الجذلين، وأعاد كتابتنا في لائحة الأشقياء الجزعين؟، من دون أن نلملم أطراف سعادتنا، ومن دون أن نأخذ معنا ذاكرة الحلم الوهمي الذي انقضى قبل أن يبدأ، ومات قبل أن يخلق؟

· إلهي الكبير: هنا أطياف الليالي الهاربة، والطنين الذي يحوم في فراغ الغرفة، ولغة الخواء التي تتهامس بها الأشياء بقلق، هل حقًا ستجعلني أفقد غالية؟ أم أنها مجرد مناورة سماوية لبعث الرهبة في الفرح الفضفاض الذي ألبستني إياه فجأة، وخشيت أن أتعثر به؟ هل تراني الآن من فوق؟، ما رأيك؟ وأنا أتهجد في محراب الوحشة مثل راهبٍ منكوب ، أنتبذ مكانًا من الليل كأقصى حالة من الحلكة، وأطارد ما يطير في السواد من رؤى، وأركمها في سلة أرقي. أعرف أني لا ألجأ إليك كثيرًا هذه الأيام، لا أصلي أحيانًا، رغم أنك تتغاضى عن ذلك، وتعطيني الكثير. أعرف أني أحرجك أمام الملائكة، وأعرف أنك تفهمني جيدًا، وتعرف أني ضعيفُ جدًا حينما تمسكني أقدارك من قلبي!…..

· الليل ينقضي تدريجيًا ولا يموت… يستحم بعرق الساهرين، ودعاء المساكين، وصوت الرجل العريق الذي ينادي إلى الصلاة، هل اصلي أكثر، فتعيد إلي غالية ياربي؟

· نحتاج أحيانًا إلى عشاق كومبارس يؤدون أدوار الحب الخطيرة بدلاُ منا!

· كنت أرفض.. أن أكون ضحية معتادة لكلاسيكيات الحياة: كالحب مثلاً. شعرت أنه من الغباء أن نستمر حزانى بعد ملايين السنين من اختراع الحزن، من دون أن نكتشف بعد طريقة السري في داخلنا. أريد اليوم أن أكون أقل حزنًا فقط. لا أريد أن أكون أكثر نبلاً، أو شعرًا، أو احتراقًا تحت مظلة الوهن، أو تذمرًا من معاندة الزمن. لا تعنيني كل المدن المركبة من أرق العاشقين، ودموع المتعبين ، كل هذه الخيالات الزائفة ليست إلا محاولة لتعويض فشلنا في أن نكون أقل حزنًا ، وأنا أفضل النجاح على الفشل، وأريد أن أكون أقل حزنـًا.. فقط!

* كما أعجبني تصويره لعدد من المواقف : موقف أبوه من التدخين.
: موقف الطفل من التحرش “المسرح”
: موقف غالية من خبر ابنها.
: موقفه من وفاة أم غالية..


لم يبق إلا خبرٌ لا دعائي طفيف، وهو أن الرواية متوفرة بمكتبة مدبولي بأربعة ورقات من فئة الـ10جنيه، وأنها..تستحق، وأكثر!
من جهتي أعد بتوفيرها كلما تسنى ذلك، ولأقل أن الأولوية بالتعليق 🙂
إلى اللقاء مع متعة أكبر