arrow-leftarrow-rightaskfmemailfacebookgoodreadsinstagramtwitter
العودة إلى قراءات نقدية في موتٌ صغير

صحيفة الوطن السعودية

موت صغير

ناقد سعودي

صالح زيّاد

أضاف فوز محمد حسن علوان بجائزة البوكر عن روايته «موت صغير» (2016) مكسبا جديدا للرواية السعودية التي تمثل منشطا إبداعيا متواشجا مع الفضاء العربي والإنساني بمجمله في تعاطي أكثر الأسئلة إشكالا وأعمقها ألماً.
وهي رواية سيرية تاريخية، اتخذت من محيي الدين بن عربي، العلم الأبرز في التصوف الإسلامي، موضوعا لها، تروي في معظم أجزائها حياته، ناطقا بضمير المتكلم، لتستحيل في المحصلة إلى وجهة نظرية له، لا نراه فيها بمفرده، بل نراه في التاريخ الذي عاصره ومعه، مسافرا في المكان والزمان.
والأهمية التي تمثلها الرواية، على هذا النحو، ليست في التاريخ مقطوعا عن الحاضر، ولا في ابن عربي معزولا عن لحظة الرواية له، وإنما في الصلة التي تبنيها الرواية له من موقعها في الزمن الحديث، فمن دون هذه الصلة التي تُجاوز بابن عربي لحظته، تفقد الرواية قيمتها.
هذه الصلة مجلى للتشارك بين الرواية التي تقاوم التعصب والعنف والاستبداد والحديَّة، وتتشوَّف للحرية، وتحفل بالخيال، وتبصر الواقع خارج القولبة، وفي انتهاكاته وخروقاته للنمطية التي لا تتيح رؤية الاختلاف الذي يصنع الرواية ويبرِّرها، وبين ابن عربي والتصوف إجمالا، الذي يحفل بما تحفل به الرواية.
فعدا عن تدوين الرواية مقبوسات من أقوال ابن عربي في عتبات فصولها، يمكن التأمل في مغزى الاختيار لها من زاوية الصلة التي ذكرناها، فإنها أنطقت ابن عربي بسيرته على النحو الذي يرينا صراعه ومواجهاته وآراءه في الأحداث التي شهدها في حياته المترحلة، بما يترجم ذلك المغزى.
وهو مغزى ترفده الرواية باصطناعها فصولا من خارج سيرة ابن عربي، تأتي في شكل فواصل بين الأسفار الاثني عشر التي تعنون أجزاء السيرة، وتحكي -فيما تحكي- اضطرابات وعنفا وتمييزا في أمكنة وأزمنة مختلفة من العالم الإسلامي، بعضها في الزمن الحديث والمعاصر، على لسان شخصية تعاني بسبب اختلافها في مكانها تلك الأحداث.
في أحد هذه الفصول -مثلا- وَصْف لتدمير حماة عام 1982، وخوف الناس وفجيعتهم، في أعقاب هجوم الجيش السوري على الإخوان المسلمين، يحكيها شاب، ذهب للبحث عن خالته العجوز، ووجدها وَضَعت تماثيل مريم العذراء، في أنحاء المنزل، ليبدو مسيحيا.
وكأن هذه الفصول التي ينتقل القارئ بينها وبين سيرة ابن عربي، تُعمِّق الإحساس بما يمثله ابن عربي من روحانية وتسام وانقطاع عن حساب المكسب والخسارة، خصوصا حين تُشع سيرته بنزعته الإنسانية التي تمجد الإنسان بمنأى عن أي تمييز جنسي أو عرقي أو طبقي أو مذهبي.
تتخذ الرواية بدايتها من موقع جوهري في الدلالة على ابن عربي، وله حساباته ضمن بناء الرواية، وهو صفة الزهد والخلوة والتعبد، وذلك في سكناه في كوخ صغير في أذربيجان، مفتتحا على ضوء مصباح شاحب كتابة سيرته بإعلان قصده إليها: «حتى إذا اختلف الناس في أمري وجدوا ما يحتجون به في شأني».
والزهد الصوفي، هكذا، هو قرين الحرية التي تأخذ موقعا جوهريا أيضا في أدبيات التصوف، وهو موقع حرصت الرواية على إبرازه، في حياة ابن عربي، منذ مخالفته درب أبيه ونفوره من العمل في بلاط الملوك. إلى موقفه النقدي من استعانة ابن مردنيش ملك مرسيّة بالفرنجة ضد الموحدين، وفتوى ابن عرجون بجواز ذلك.
وهو الموقف الذي مضت الرواية إلى إبرازه، في نقده استبداد دولة المرابطين واتخاذه إياه علة لانهيارها. وفي العلاقة التي يعقدها بين ضيق الأرزاق وانعدام الأمل وتبرير الناس لأنفسهم كل عمل سيئ بدعوى الاضطرار والضرورة. وفي ضيقه بالحياة في إشبيليا بسبب أوامر الخليفة ونواهيه، وكُتُب الظاهرية التي لا تحرك -فيما قال- قلبا ولا عقلا.
ولا يبدو موقف ابتهاج لابن عربي، ضمن حفاوة الرواية بموقفه من الحرية، أوضح من إقامته في دمشق، في كنف الملك المعظم عيسى، إذ اغتبط في إقامته هذه بالتعايش بين المختلفين، وهو يصف ذلك بقوله:
«في دمشق فسحة في اختلاف الرأي وتنوع في مشارب الناس. في كل حي مدرسة لهذا المذهب أو ذاك. ترددت بنفسي إلى مدارس كل مذهب متى استغلقت عليّ مسألة، فزرت الشوافع في المدرسة الأتابكية والحنفية في المدرسة البلخية وزوايا المالكية في الجامع الكبير والحنابلة في المدرسة العمرية». ولا تكتمل قيمة الحرية من دون قيمة الإنسان، فإذا كانت الفسحة للمختلف مجلى للحرية، فإنها أيضا مجلى للنزعة الإنسانية التي تأبى التمييز، وتلميذ ابن عربي ومريده بدر الحبشي، الرقيق الذي أُعتق ثم تبعه في حياته كلها، محفوفا برعايته، وبكاء ابن عربي عليه بعد وفاته، جانب من الجوانب اللافتة إنسانيا.
وهو جانب يتكامل مع موقف ابن عربي من المرأة، في قوله: «في المرأة يكتمل ظهور الحقيقة» وقوله: «إن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل والمرأة لم يكن للرجال على النساء درجة من حيث الإنسان».
لكن الرواية لا تقف بابن عربي عند هذا الحد، حد الحكمة والإرشاد، وحد السكون والعزلة، فهي تتخذ منه، كما هي حقيقته التاريخية، شخصية إشكالية فكريا وعقديا وأخلاقيا، شخصية مثيرة للجدل، ومصادمة الفقهاء والمتكلمين، بقدر مصادمتها الساسة وأصحاب السلطان، وبقدر مصادمتها العقل والفلسفة والأخلاق.
وقد انطوت الرواية من هذه الوجهة على تعارض ظاهر مع ابن عربي داخل نص الرواية، أو مضمر على خلفية الموقف العقدي والعقلاني منه، ومن الصوفية عموما. لا سيما والرواية وقارئها على وعي أنها لا تتفرد بحديثها عنه؛ فكُتبه وكتب الصوفيين عنه، مقابلة للكتب التي هاجمته ونقدته، والكتب التي ترجمت له ودوّنت سيرته.
ففي دمشق يدعوه قاضي القضاة ويسأله: «كيف يمكن أن يفهم العامة أن فرعون مؤمن؟ كيف يفهمون أن الله والوجود واحد؟ كيف يفهمون أن الألوهية تسري في جميع المعبودات حتى الأوثان». وتنهي الرواية هذا الموقف بقرار ابن عربي ألا يجيب.
وإذا كانت الرواية هكذا تضع الجانب الإشكالي دونما مواربة أمام القارئ، فإنها تثير لديه أسئلة في مواقف أخرى عن ظاهرة التصوف من حيث هي ظاهرة مجموع لا فرد، ومن ثم عن ابن عربي بوصفه شخصية غير بريئة من السياسة، بل هو واع بذلك في حديثه للملك المعظم: «لقد آوى السلاجقة المتصوفة عن حب واقتناع، وآواهم الأيوبيون ليدفعوا بهم أذى المتشيّعة»، وقوله في الموقف نفسه: «كل المذاهب هنا، كلها لأجل السياسة».
أما التعارض مع العقل والأخلاق فنشهده في ما ينبث في الرواية من دلالات على سلطة الشيخ المطلقة على مريديه وتقديسهم له، والتهميش للعقل وتحقيره الذي اتصل رأيه في الفلاسفة به، فبدا ألمُه على عذابات ابن رشد اعتقادا منه أنه سبب فيها.
ويضاف إلى ذلك ما تؤكد عليه الرواية من التمثل الشامل لجبرية قدرية صارمة، و«التواكل» على الله، وما ينتج عن ذلك من الدروشة وترويج قيم سلبية تجاه العمل والجسد والعلم المادي، وتنصُّل من المسؤولية ينتهي -على نحو ما نعرف- إلى اللا أخلاقية وسقوط التكاليف والواجبات عن الأولياء.
والرواية بهذه التعارضات التي تؤشكل بطلها، تؤشِّر إلى تعارضات الواقع وإشكالاته، تلك التي يقع ابن عربي في قلبها وفي الضد منها معا، تضطرب متراوحة بين دروشة التصوف وتواكليته وبين عنف التعصب والاستبداد.